حكاية ثلاث مصريات: الوصاية الذكورية من “كود” الملابس إلى الأرحام

حكاية ثلاث مصريات: الوصاية الذكورية من “كود” الملابس إلى الأرحام

خلال أسبوع واحد انتشرت قصص ثلاث مصريات تعرضن لسلسلة من الاستهدافات لم توفر لا ملابسهن ولا أجسادهن من الانتهاك.

“البسي تربان، ينفع تدخلي بيه،أما بالحجاب فلا يمكنك الدخول، هذه قواعد المكان ولن نسمح لأي أحد بالدخول بالحجاب”. هدَّدت الفتاة بإبلاغ شرطة السياحة لأن تحديد “كود” ملابس معيّن لحضور حفل موسيقي ليس قانونياً، فألغى المنظم حجزها، وأغلق الهاتف بوجهها. 

حدث هذا في الساحل الشمالي، المصيف الشهير في مصر، كانت فرقة “شارموفرز” الغنائية تستعد لتقديم أحدث حفلاتها، لتتعرض إحدى السيدات للمنع من الحجز، لكونها محجبة. قبل ذلك ساد انشغال بفستان حبيبة زهران، الذي هزّ مواقع التواصل الاجتماعي، واستكمل الاهتمام الإعلامي بفتاة حفل الساحل. 

وكأن وسائل الإعلام تتنافس في اختراع ألقاب لتصنف الفتيات في مصر، بحسب نوعية القهر الذي يتعرَّضن له. فمثلاً رأينا بكاءَ “فتاة البوركيني”، دينا هشام، والمصورة علياء عواد، التي عوقبت بالسجن لكونها صحفية تحمل كاميرا وتصوّر لقطات لا يُراد لها أن تتصدَّر المشهد، وقد هددها مستشفى السجن، حيث تحتجز باستئصال رحمِها. 

خلال أسبوع واحد انتشرت قصص ثلاث مصريات تعرضن لسلسلة من الاستهدافات لم توفر لا ملابسهن ولا أجسادهن من الانتهاك. فمن قصة منع فتاة محجبة من دخول حفل غنائي بسبب ارتدائها الحجاب مروراً بالتنمر على حبيبة طارق، التي لُقبت بفتاة الفستان وانتهاء بعلياء عواد الصحافية المعتقلة التي تتعرض للتهديد باستئصال رحمها.

“فتاة الفستان”… حبيبة طارق في مرمى القذائف

تعرضت  حبيبة طارق زهران، الطالبة المصرية بجامعة طنطا، لواقعة  تنمر (وتحرش!) من جانب مراقبتين خلال أحد أيام الامتحانات. والاتهام، الذي لاحق حبيبة، أنها تذهب إلى الامتحان مرتدية فستاناً. فوجئت بمراقبتين تناديان المراقبات الأخريات والمراقبين الرجال لمشاهدة ملابسها، كان فستاناً محتشماً لا يظهر شيئاً من جسدها، لكن هيأتها التي تبدو منفتحة غير تقليدية في جامعة في مدينة محافظة وريفية أثارت المراقبات ضدها، فقالت إحداهنّ لها: “نسيتي تلبسي البنطلون ولا ايه؟!”. حبيبة من محافظة الإسكندرية الساحلية، التي تعتبر أكثر انفتاحاً، كما أنّ لها خلفية تاريخية حافلة بالجاليات الأجنبية، الأمر الذي يجعل فتياتها مختلفات في أزيائهنّ وذوقهنّ وتحررهنّ من القيود الدينية والاجتماعية عن فتيات المحافظات الريفية.

تروي حبيبة أنه، فور دخولها الكلية، بدأت همسات التحرش والسخافات تطاردها: “كل ولد كان يرمي كلمة، حتى الأمن على البوابة قال كلاماً سخيفاً كالعادة”. دخلت حبيبة الامتحان، وتحرّشت بها المراقبتان، وإحداهما قالت للأخرى: “كانت محجبة وقمر، كانت محترمة زمان، دلوقتي قررتي تبقي قليلة الأدب؟… بقيتي قليلة الأدب خلاص؟ معلش يا حبيبتي هي كده فترة وتعدي من عليكي يا رب، ربنا يهديكي”.

وبدأت أفواج المتفرجين تنهال على حبيبة: “كانوا بينادوا بعض يتفرجوا… الستات تنادي بعض وتنادي الرجالة تتفرج” وتحكي أنها ليست المرة الأولى، التي تتعرض فيها للتحرش: “من سنة، مراقب كان بيعاكس وأنا ماشية، ويقول لي: ايه يا قطة”. 

تدهورت حالة حبيبة النفسية، على رغم نيلها دعماً كبيراً، فوالدها تقدم بشكوى وقال إنه لن يجبرها على ارتداء زي محدد، والمجلس القومي للمرأة تضامن معها ويتابع القضية، وكذلك قيادات جامعية أيضاً، وتحقق جامعة طنطا حالياً في الواقعة، لكن هذا الدعم الهائل على مواقع التواصل الاجتماعي لا يخفي استنكاراً كبيراً يقع على أي فتاة ترتدي فستاناً. 

“فوبيا الأنوثة” جعلت الفستان “زياً من الماضي” 

انتشرت شائعة إحالة حبيبة إلى مجلس التأديب بعد ثبوت كذب روايتها، ولم يكن الأمر سوى أكذوبة في سياق الحرب على حبيبة، التي ارتدت فستاناً، والحرب على كل فتاة ترتدي فستاناً، على رغم أنه – قانوناً – لا تمكن إحالتها إلى مجلس تأديبي لارتداء فستان، فهناك لائحة تنظم الأزياء الجامعية، وتحظر أزياءً، ليس من بينها الفستان.

وتنصّ اللائحة على أنّ “على رأس هذه المحظورات هو ارتداء الطلاب الملابس الممزقة والشورت أو الجلباب داخل الحرم الجامعي، ويحظر على الطالبات ارتداء الفيزون والبرمودا، والإفراط في وضع مواد التجميل وارتداء ملابس شفافة تظهر أجسام الفتيات”. 

تصاب اللوائح الحكومية لتنظيم الأزياء الجامعية بـ”فوبيا الأنوثة” أيضاً تحت ستار حفظ التركيز  والقيم خلال العملية التعليمية، ويبقى الحُكم في ملائمة الفساتين من عدمها راجعاً إلى تقييم ونظرة فرد الأمن، الذي يحرس بوابة الجامعة، الذي يكون أحياناً – حسب شهادات، من بينها شهادة الطالبة حبيبة – “متحرشاً”.

وعلى مدى سنوات، ربما تحت تأثير توغُّل السلفية والعائدين من الخليج في مصر، تحوّل ارتداء الفستان إلى “حنين إلى الماضي” يصيب الفتيات، إذ إنّه يجلب التحرش والنقد والاتهامات بالخلاعة، باعتباره “زياً لافتاً” وغير معتاد، وتحوّل السروال إلى الزيّ الرسمي بينما تستعمر الفساتين الخزانات بعدما كانت قبل عقود أزياءً رسمية للذهاب إلى الجامعات والمصايف واللقاءات والأندية. وهو ما يطلق دعوات وحملات مزمنة، بشكل شبه سنوي، لارتداء الفساتين من دون قلق، كصرخة تحدي بوجه المجتمع، كحملة “ارتدي فستانك ولا تخافي”، لتدلِّل على قهر مجتمعي تجاه الفساتين والملابس الأنثوية، إضافة إلى ما يحويه ذلك من كبت للحريات.

اليوم الذي ترتدي فيه مروة.ح، الفتاة الثلاثينية التي تعيش في القاهرة، فستاناً يصبح “يوماً خاصاً ومكلفاً”: “أضطر لاستئجار سيارة خاصة تأتي لتصطحبني من أسفل البيت وتعيدني مرة أخرى، وافي لمكان الذي أذهب إليه، سواء كان حفلاً أو غير ذلك، لا أنجو من المجاملات و(المعاكسات) التي تبدو رقيقة، على رغم ما تخفيه من تحرش ومحاولات استدراج”.

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)