النجيب ليس نجيبا !!

النجيب ليس نجيبا !!

 

 

 

أن يكون لبنان، ومنذ نشأته السياسية ككيان مستقّل ،عرضة للتدخّلات الخارجية فهذا أمر لا شكّ فيه ولا يمكن لأيّ محلّل سياسي أن يُنكره. ومن يقرأ التاريخ الحديث لا بدّ له وأن يدرك أنّ لبنان كدولة أنشيء بقرار من المفوض السامي الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى التي حدثت خلالها مسألتان بغاية الأهمية أثّرتا سلباً على منطقة الهلال  الخصيب، الأولى وعد بلفور، والثانية معاهدة سايكس بيكو، ومن خلالهما وقع لبنان والكيانات الأخرى المستحدثة تحت النفوذ الفرنسي الإنكليزي. بعد قيام كيان العدو الإسرائيلي في الجنوب السوري انتقل النفوذ إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث تجلّى بأبهى مظاهره بتدخّل قوات المارينز بالأحداث التي شهدها لبنان عام 1958، وعندها أيضاً برز عامل سياسي جديد كان له أثره على لبنان وهو أنتشار المدّ الناصري والذي أستمرّ لعقدين  من الزمن حدثت خلالهما حرب عام 1967 التي استولدت المقاومة الفلسطينية التي كان تأثيرها واضحاً على الساحة اللبنانية خاصة خلال ما سمّي بالحرب الأهلية بين عامي 1975 و 1990، والتي أوصلت إلى تدخّل عربي انحسر إلى الوجود "السوري" فقط. وأصبح واضحاً للقاصي والداني أنّ اتفاق الطائف قد فوّض "السوري" بإدراة الملف اللبناني وبالتالي لم يكن يُنتخب رئيس للجمهورية أو تُشكّل حكومة إلاّ بأمر من المفوّض السامي السوري، كما يحلو للبعض تسميته.

وها هو السيد ميقاتي الذي سمّته الكتل النيابية لتأليف حكومة جديدة يعلن بارتياح أنّه ما كان ليقبل هذا التكليف لو لم يحصل على ضمانات خارجية لتسهيل التأليف، وأضاف في تصريحه الذي تلا التكليف بأنّه يطلب من المواطنين التعاون وإعطاءه الثقة لكي يستطيع مباشرة العمل على إنقاذ البلد. وعلى هذا الكلام لنا بعض الملاحظات. أولاً وكما ذكرت آنفاً الكّل يعلم أنّه لا يمكن أن تتشكّل حكومة في لبنان دون تدخّل خارجي بالرغم من نفي كلّ الدول تدخّلها وإعلانها أنّ هذا أمر داخلي لبناني صرف. لكنّ كلام الرئيس المكلّف ينفي ذلك لا بل يؤكّد هذا التدخل. ولكننّا نعلم بهذا الأمر سواء نفت هذه الدول تدخّلها أم أكّدته، أمّا ما يدعونا للتعجب بل للإشمئزاز أن يصدر هذا التأكيد عن الرئيس المكلّف، إذ كيف لرئيس وزراء لبنان أن يعترف علناً أنّ التدخل الخارجي عبّد له طريق التكليف والتأليف؟ ألا يتناقض برأيه هذا مع سيادة لبنان واستقلاله وحرّيته؟ وأين أصحاب شعارات السيادة والإستقلال والحريّة؟ أم أنّ شعاراتهم موجّهة ضدّ الجمهوريتين السورية والإيرانية فقط؟ ألم يعلم كلّ الذين يُبخّرون للمكرمات السعودية بأنّ فيتو السعودية على سعد الحريري منعه من أمكانية تشكيل الحكومة؟ ألم يدرك الشيخ سعد ذلك منذ التكليف وبأنّه لن يتمكن من التأليف؟ فلماذا أبقى البلد معلّقاً لتسعة أشهر تاركاً الوضع الأقتصادي ينهار، والمواطن يُذلّ بلقمة عيشه وبأبسط الأمور الحياتية؟ ألم يَجُلْ أكثر من مرّة على بعض العواصم طالباً الدعم ولم يفلح وبقي مصّراً أنّ المعرقِلَيْن هما رئيس الجمهورية وجبران باسيل مختلقاً الذرائع كالثلث المعطّل حيناً وحقّه بتسمية وزيرين مسيحيين حيناً آخر؟ إنّ هذا التصريح لا يدلّ على النجابة أبداً لأنّه أكدّ بذلك على أنّ لبنان لا يتمتع بأيّة سيادة، فكفانا مزايدات وخداعاً، وأكدّ ثانياً بأنّ من عرقل مساعي الحريري هي الدول ذاتها التي منحته الضمانات. طبعاً لا يمكن لفرنسا أن تكون بين هذه الدول وهي التي كانت مقتنعة أنّ الحريري هو رجل المرحلة، ولكن هذه القناعة لا تنسحب على الولايات المتحدة والسعودية. واسم الرئيس ميقاتي كما أفادت المعلومات المسرّبة، نقلته السفيرتان الأميركية والفرنسية الى رئيس الجمهورية بعد زيارتهما للسعودية، وهذه حادثة فريدة في عالم الدبلوماسية، والذين أكدّ بما لا يقبل الشك كذب ممثلي الدول عندما يقولون بأنّ هذا أمر داخلي لبناني.

ويتبادر الى الذهن سؤال آخر هو : إذا كانت السعودية قد رفضت الحريري لأنّ حزب الله دعم تكليفه إضافة إلى أمور شخصية أخرى، فكيف ستسهّل للنجيب مهمّته وها هو حزب الله قد سمّاه للتكليف وأعلن أستعداده لتسهيل التأليف؟ وما هي الشروط التي رضخ لها النجيب لكي يرضي الأميركيين والسعوديين، حتى ولو لم يعلن الأخيرون تأييداً مطلقاً وإنمّا عدم اعتراض؟ ونحن نعلم جيداً أنّ حزب الله إنمّا دعم الحريري فقط لمنع الفتنة السنيّة الشيعية وليس لقناعته المطلقة بقدرة الحريري على إنجاز إصلاحات يحتاجها البلد للخروج من أزمته.

أمّا لجهة طلب النجيب من المواطنين التعاون وإعطاء الثقة فإنّه حقاً أمر مضحك ومبكٍ في آن. ألم يسمع النجيب صوت الناس منذ السابع عشر من تشرين لسنتين خلتا الصادح بعبارة : كلّن يعني كلّن؟ ألم يشاهد حلقة تلفزيونية واحدة حول اتهامه بسرقة أموال الناس؟ ألم يسمع أصوات أبناء مدينته طرابلس الذي طالهم الفقر أكثر من غيرهم، وهو النائم على مليارات الدولارات، ولم يُقدم على بناء مصنع يؤمّن فرص عمل لبعض العائلات؟ ألم يسمع الإتهامات الموجّهة إليه بتمويل بعض الفئات لافتعال الأحداث في شوارع طرابلس والتي ذهب ضحيتها خيرة الشباب؟ أنا لا أتهم إذ لا مستندات بين يدي، وإنمّا أقول هذا ما كان متداولاً عبر وسائل الإعلام وهو يكفي، في أيّ بلد في العالم ، ليس فقط لمنع مسؤول من الاستمرار بمسوؤليتة مهما علا شأنه، بل أيضاً لمنعه من الوصول ثانية إلى أية مسؤولية  إجتماعية سياسية أخرى. لكنّه مطمئن بأنّ شعبنا لا يحاسب، وبأنّه ولأسباب طائفية ومذهبية مستعد للموت في سبيل زعيمه نكاية بأبناء الطائفة أو المذهب الآخر الذي صنفّه في خانة العداء المسبق الدائم. كيف لك أيهّا النجيب استغباء الناس عبر الطلب إليها التعاون معك؟ وماذا تريد من الناس أن يقدّموا لك؟ أموالهم نُهبت، رواتبهم لم تعد تكفي مصروفهم ليومين، دمهم أصبح مهرقاً على  الطرقات إما بحادث سير، أو بإطلاق نار على محطة بنزين، أو على أبواب المستشفيات. ماذا تنتظر منهم أن يقدّموا لك؟ انصياعهم مرة جديدة لفساد زمرتكم الحاكمة وهم يقولون لكم إرحلوا وأريحونا من فسادكم؟

أما عن الثقة فحدّث ولا حرج. إنه كلام ساذج غبي، إذ كيف لهؤلاء الناس الذين أعلنوا إفلاسكم، أن ينقلبوا على أنفسهم فيمنحوك الثقة لمجرد تصريح أدليت به؟ لو كنتم من الناس، لامتنعتم عن قبول هذه المهمة لأنّكم تعرفون جيّداً رأي الناس بكم.

إنّ كلام الرئيس المكلّف النجيب أسقط مطالبة البطرك الراعي بحياد لبنان والنجيب كان قد دعمه بذلك، وأثبت أنّ لبنان لا يمكن أن يكون حيادياً طالما أنّ الغرب وبعض الدول العربية يدعمون عدوّه. هذا يعني أنّه على لبنان لتحصين وجوده السعي لطلب دعم الأصدقاء الحقيقيين الذين وفّروا له إمكانية الصمود والمقاومة. إضافة إلى ذلك، ولكي نبدأ مسيرة الألف ميل الإنقاذية، يجب على رجال الدين التوقف عن التدخّل في الشأن السياسي والإهتمام برعاياهم الذين يحتاجونهم اليوم أكثر من أي يوم مضى لأننّا نشهد انحطاطاً إخلاقياً لا مثيل له وهنا يجب أن يتركّز عملهم. لقد شهدنا بعض مواقف من دار الإفتاء لا تصب في مصلحة البلد، إذ لماذا على أيّ رئيس مكلّف أن يحظى برضاها وإلاّ  لا تُسهّل مهمته؟ اليس هناك بين أهل السنّة من يتمتّع بالعلم والمعرفة والإلتزام الوطني غير هؤلاء السياسيين التقليديين الذين فشلوا بإدارة البلد وأزماته، لا بل هم الذين أوصلوا البلد إلى هذا الوضع المتردي المأزوم؟ وكيف يحقّ لرجال  الدين مهما علت مناصبهم وضع خطوط حمراء على من عرّاهم الشعب وأدانهم بفسادهم؟

قد يؤلّف النجيب حكومته إذا ما استشعر الجميع خطورة الوضع الذي أوصلوا البلد إليه، ولكن هل يمكن أن نثق بأنّ من كان سبباً بالويلات التي نزلت بنا سيكون المنقذ والمخلّص؟ وإذا ما سلّمنا بأن ذلك ممكن الحدوث مع شخص النجيب، فهل ستسمح بقيّة الطغمة الفاسدة الحاكمة له أن ينقلب عليها ويبدأ بالمحاسبة مثلاً عبر تفعيل التدقيق الجنائي في كلّ الوزارات والصناديق والمؤسسات الحكومية ومع كلّ من تولى منصباً فيها وصولاً الى الحقيقة؟ وهل سيتمكن من تأمين المال لشراء البنزين والمازوت وإجبار حاكم مصرف لبنان المنفرد بذاته فتح الإعتمادات بصورة دورية لتأمين المادتين بشكل مستدام؟

في حال تمكن من حمل كرة نار رفع الدعم، هل سيتمكن من رفع رواتب الموظفين لكي تتلاءم مع نسبة ارتفاع الأسعار؟ وإذا لم يتمكّن من ذلك فماذا سيكون مصير حكومته والبلد؟ وإذا لم يستطع ذلك، هل سيحصل عندها على الدعم الدولي الذي بجب ان يتماهى مع الضمانات؟

لبنان يحتضر، أو من الأفضل أن أقول بأنّ الطبقة السياسية الحاكمة هي التي تحتضر، وهي التي تأبى إلاّ أن يختنق معها لبنان وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. أقول ذلك على أمل أن يعي المواطن في لبنان خطورة إعادة هذه الطبقة استيلاد نفسها لفترة جديدة، وهذا يعني أنّه على المواطن أن يأخذ دوره بحسن اختيار ممثلّيه، وعليه أن يكسر عصا الطاعة التي أذلّته لعقود، فيقف وقفة عزّ لمرة واحدة ليسقط هذه الطغمة التي أفقرته وأذلّته وهجّرته. عليه هو أن يكون رأس حربة التغيير والإنتقال إلى رحاب الدولة المدنية، إذ لا خلاص للبنان إلاّ بالغاء الطائفية السياسية التي كانت السبب المباشر فيما وصلنا إليه. إن أسقطتم هذه الطغمة وبقي النظام الطائفي فكأنكم لم تفعلوا شيئاً، بل ذهبتم بأسماء لتأتوا بغيرها عاجزة عن الإصلاح. كفانا شعارات رنّانّة لدغدغة المشاعر لتأمين المصالح الشخصية، وإن لم نفعل فلا نلومنّ أحداً على ما أصابنا لأنّ الأمم الحيّة هي التي تصنع المستقبل الذي يليق بها.

وجدي المصري

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)