//

"ميني ثورة" في بيئة "المستقبل"

كانت الإشارة ليل الأحد إلى "يوم غضب" سيجتاح المناطق اللبنانية كافة. صبّت تقديرات الأجهزة الأمنية صوب احتمال أن يعمّ قطع الطرقات و تقطيع أوصال المناطق، لذلك أرسلت في طلب العون البشري وأقفلت المأذونيات واستردّت العناصر من فراشهم وبعضهم توجّه فجراً إلى نطاق عمله.. ماذا كانت النتيجة؟ فورة غضب غير محسوبة النتائج بدأت وأنتهت على صفر نتيجة.

طوال ساعات النهار كانت الصورة على الشكل التالي: إرتفاع متدرّج في سعر صرف الدولار، تزامن وعملية إقفال طرقات متقطّعة، تباينت وتيرتها بين ساعةٍ وأخرى، حُصرت ضمن بيئة محددة (السنّية) على وجهٍ أصحّ ضمن معاقل تيّار "المستقبل" التقليدية، في بيروت والإقليم والبقاع والشمال، مع خروقات طفيفة أمكن تسجيلها في بعض المناطق المختلطة بين السنّة والشيعة بقاعاً وحالة خجولة واحدة سُجّلت على طريق المطار بعيد الظهر. المناطق المحسوبة طائفياً على المكوّنين المسيحي والدرزي، غابتا بشكلٍ واضح عن المشهد. جل الديب لم تكن في الوتيرة المعهودة ذاتها، بينما الجبل اختار الطلاق عن تحرك الاثنين، ربما انصياعاً لـ"رغبة وليد بك" في النأي بالجبل عن الثورة (وهنا يمكن افتتاح قوس لدراسة مدى تأثير البيك على بعض المجموعات بعد نجاحه في اختراقها). ماذا كانت النتيجة؟ إنحسار "الميني ثورة" ضمن بيئة تيار "المستقبل": على وجه التحديد.

 

"فيديرالية التحرّكات" انعكست على طبيعة القوى التي نزلت إلى الشارع. صحيح أن "النزال الثوري" خيض ضمن مناطق محسوبة على تيار "المستقبل"، لكن شارعه لم يكن هو الوحيد الذي نزل. إختلط المشهد في البقاع وبيروت والإقليم، بين مجموعات محسوبة على مجموعات "خجولة" في 17 تشرين، أخذت تتحرّك هنا وهناك بشكل غير مدروس، رغبةً في التمكّن من إقفال أكثر من مسرب وطريق، بينما الشقّ الباقي "مدنياً" كان من نصيب تكتلات بهاء الحريري التي يبدو أنها استعادت نشاطاتها عقب حالةٍ من الضمور، وأخرى موزّعة الولاءات بين شخصيات في التيار الازرق وآخرين. مجموعات تيار "المستقبل" لم تكن بعيدة عن الأجواء. في المدينة الرياضية وقصقص كان المشهد مألوفاً. مجموعات زرقاء ضليعة و ذائعة الصيت في مجال المشاركة بإقفال الطرقات منذ 17 تشرين استعادت حيويتها. الجميع يعلم هنا بمن فيهم الأجهزة الأمنية المواكبة، أن تلك التكتلات محسوبة على أحد أجنحة تيار "المستقبل" في العاصمة، وتحرّكها يأتي لتصريف أجندات سياسية محددة. معنى ذلك أن "النزول" لا يأتي بسبب الجوع ولا اكتراثاً بارتفاع سعر صرف الدولار الذي يُسأل عنه مصرف لبنان وحاكمه "المدعوم" من قبل قيادة "المستقبل" نفسها. مع ذلك، آثرت تلك المجموعات الإيحاء بأنها عناصر في الثورة. في قصقص مثلاً حالة استبعاد صبغة "المستقبل" جليّة على "فئة المنتفضين" عبر اعتماد لغة مكرّرة توحي بـ"كلّن يعني كلّن".

انعكاس حالة الغضب فقط على بيئة تيار "المستقبل"، قضية حمّالة أوجه بين خطابين، الأول يتحدث عن "محاولة تسلّق" قام بها التيار الأزرق للشارع صباحاً ، غير منعزلة عن النهج الجديد الذي يعتمده، وقد عبّر عنه صراحةً في بيان المكتب التربوي في "المستقبل" الأحد، على شكل تصريفٍ لتموضع سياسي مختلف ضمن المعارضة، إلى جانب محاولته استغلال ما يجري لتقليب الرأي العام ضد العهد و"التيار الوطني الحر" وإلى حدّ ما "حزب الله" الذين يُتهمون بافتعال الأزمة و "تخريب علاقات لبنان الخارجية"، والثانية تذهب في الإعتقاد بأن "المستقبل" أراد من "بروفا النزلة" إلى الشارع، إجراء اختبار موضوعي على مواضع القوة لديه ومدى قدرته على الإستقطاب الشعبي والتأثير فيه ومستوى فاعليته في الشارع، وهل أن المجموعات تلك لا زالت تدين له بالولاء أم أنها "انفشلت" صوب آخرين. كذلك من غاياته إعادة تجميع "الفلول" قبيل الإنتخابات وشدّ العصب البيروتي، مع الإيحاء طبعاً لأهالي بيروت بمدى سعي التيار نحو تحسين ظروف حياتهم عبر اختيار طريقة النضال في الشارع، وهي ما تصفها مصادر متابعة بأنها "محاولة خداع جديدة لسلب البيارتة أصواتهم".

بعيداً عن كل ذلك، بدا مشهد "تجديد الإنتفاضة" فاقداً للقدرة والتنظيم ولم يبلغ الحالة الجامعة الكفيلة بإظهار مكامن القوة المؤثّرة كـ17 تشرين. ماذا يعني انحسار رقعة التظاهرات ببيئة محددة؟ وماذا يعني الدعوة إلى "يوم غضب" من دون التحضير والتجهيز لهذا اليوم؟ حتى التعبئة غابت عن المشهد وحلّت مكانها إطارات مشتعلة كانت تتحرك على أيدي مجموعات محددة من الأشخاص الجوالين. من سلبيات التحرّك الذي أظهر ضعفه حتى انفضّ من دون تثبيت أي فائدة تذكر أو هدف سجل، محدودية امتداده بين البيئات الشعبية والتي لم تصل إلى حالة التفاعل الكامل في كثيرٍ من المناطق. نقطة الضعف هذه لها عدة ترجمات، تبدأ أولاً من الخلل الذي يعتري التنظيم وصولاً إلى فقدان القيادة و الضياع في الأهداف خدمةً لأجندات التحرّك من دون أهداف واضحة، وتبلغ ثانياً الإعتقاد الذي ترسّخ لدى الناس حول محدودية القدرة لدى تلك المجموعات وانحسارها، إلى جانب تأثير الأحزاب وخطابهم و "دسّ الإتهامات" للمنتفضين.

أما أكثر شيء محزن في يوم "الغضب" الذي خُصّص للمسحوقين الجيّاع، فكان غياب هؤلاء عنه بشكل لافت وقلّة حضور الفئات المستهدفة في ارتفاع سعر صرف الدولار، الذي ثبت أنه المحرّك الأساس لـ"يوم الغضب" وهو ما ينمّي الشكوك حول أسباب ارتفاعه ونزوله السريع على مقربة من مواقيت سياسية حساسة.

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)