أنطون سعاده اللبناني بامتياز: ما أنا إلا لبناني من صميم لبنان دعا الى لبنان أكبر في محيط أمّة كبرى يتسع بها وطن اللبنانيين وحقوقهم من السويس الى الأناضول ومن البادية الى البحر المتوسط في دولة عظيمة قويّة

أنطون سعاده اللبناني بامتياز: ما أنا إلا لبناني من صميم لبنان دعا الى لبنان أكبر في محيط أمّة كبرى يتسع بها وطن اللبنانيين وحقوقهم من السويس الى الأناضول ومن البادية الى البحر المتوسط في دولة عظيمة قويّة

كنت في الخامسة عشرة من العمر وكان عهد الرئيس بشارة الخوري قد شارف على نهايته محاطا بأخبار محسوبيات سادت كل قطاع من قطاعات الدولة في ما عرف يومها "مزرعة السلطان سليم" نسبة الى سليم الخوري شقيق الرئيس بسبب ما اشتهرت به من منافع وصفقات أدت يومها الى اضراب شامل في كل لبنان ضد العهد الذي سعى رئيسه الى البقاء في الحكم لكنه سقط، وفي ظروف صعبة تحكم خلالها لبنان قلة سياسية - مصرفية - اقتصادية تطغى على الشعب اللبناني كما اليوم، ولو بدرجة أقل سوءا بكثير مما نعاني به في المحنة الكبرى الحالية من الشراسة في الفساد والمحسوبيات والمزيد من الصراعات الطائفية والمذهبية والمناطقية.. ورغم ذلك لم يكن هذا الوضع الأقل سوءا يوحي بأي شكل من الأشكال الى فتى مثلي من بين كثيرين من فتيان وشباب ورجال ونساء لبنان بأنه بلد قابل على الصمود، فكتبت وأنا في الرابعة عشرة من العمر كتيبا صغيرا أصدرته في العام ١٩٥٢ بعنوان "وطن جريح" توقعت فيه ان النظام السياسي ـ الاقتصادي السائد الذي يحكم لبنان سوف يأخذ به حتما (حرفيا كما في نص الكتاب) الى "الانهيار والزوال والفناء"!!!


وظلت هذه الحتمية "النهيليستية" تلازمني كما الطوق في عنق الفكر، وعلى مدى سنوات، الى حين طالعت صدفة مجموعة مقالات ومداخلات ومحاضرات كتبها مفكر من لبنان عاش ردحا طويلا من حياته في مهاجر مصر وأميركا والبرازيل والأرجنتين هو انطون سعادة (جمع أكثرها في كتاب بطبعتين ١٩٧٦و١٩٩١ في ٢٦٤ صفحة من الحجم الوسط عن دار فكر للأبحاث والنشر بعنوان "انطون سعاده: في المسألة اللبنانية") أحسست وللمرة الأولى ان فيها من خلال فكر انطون سعادة ما هو عكس "الضيق الفكري" الذي أعانيه بشأن مصير لبنان، (الذي قال عنه جورج قرم أخيراً في مقابلة راهنة على التلفزيون انه عندما تعمق في قراءته أخيرا "عثر على كنز فكري ثمين". كما قال عنه كمال جنبلاط (على أثر اغتيال سعاده في محاكمة صورية وحكم بموجبها بالاعدام خلال بضع ساعات ونفذ الاعدام في ليلة واحدة رميا بالرصاص): "ان سعادة هو مؤسس أكبر مدرسة فكرية في الشرق"، ومن خلال هذا الفكر تلمست ضوءا بأنه يمكن، أن يبقى لبنان ويستمر ويكبر ويلعب دورا رئيسيا في تطوير ذاته وكيانه والانطلاق من هذا الكيان الى تطوير محيطه وتقويته والاقتواء به في أمة عظيمة كبرى ذات قومية واحدة جامعة وذلك في حركة نهضوية. وأنا الآن وبعد حوالي ثلاثة أرباع قرن من اغتيال سعاده، لا أكتب هذا المقال من وجهة نظر حزبية بل هي بمجملها قناعاتي الذاتية التي أعبر بها عن لبنان كوطن في اطار أمة جامعة كبرى لبنان فيها "نطاق ضمان للفكر" كما في تعبير سعادة، يقرر مصيره أبناؤه باستقلالية وبإرادة حرة وبمعزل عن أي ضغوطات خارجية أجنبية أو استعمارية من أي نوع.

 

 

في هذا المقال سأعتمد على ما كتبه انطون سعادة في مختلف المصادر سواء في كتابه "المسألة اللبنانية" أو مصادر أخرى في مقالاته وخطبه، وذلك في محاولة إلقاء نظرة جديدة ومعمقة قد لا تتناقض بالضرورة مع العقيدة التي يلتزم بها القوميون الاجتماعيون، لكن هدفها توسيع دائرة حوار أتمنى أن يكون منطلقا في العودة لنظرة سعادة الى لبنان والكيان اللبناني، وذلك بقصد تكثيف دائرة البحث وعملا بمقولة سعادة الشهيرة عن ديموقراطية الحوار الواردة في مقاله في جريدة "الزوبعة" ١٥ آذار ١٩٤٩: "ان الحزب (السوري القومي الاجتماعي) يجمع عناصر متنوعة ولا يمكن القضاء على هذا التنوع ولا يجوز قتله" و"أن الحزب من هو مجموعة أفراد تتنوع مذاهبهم، ولا يمكن تحديد تفكير كل فرد من أعضائه بطريقة تفكير زعيمه في جميع المسائل والقضايا الجزئية أو التفصيلية، أي أنه لا يمكن جعل تفكير كل فرد من أفراده نسخة طبق الأصل عن تفكيره" (سعادة: الأعمال الكاملة ـ الجزء ٧ صفحة ١٩). اضافة الى ما قاله سعاده في رسالته الى فخري المعلوف: "اني لا أرغب في محو التنوع الفكري من تراثنا، بل أرغب في المحافظة عليه وتنميته لأني أرى أنه لازم لفلاحنا".

وقبل التحدث عن نظرة سعادة الى لبنان، ينبغي الملاحظة ان كثيرا من مقالات مفكرين وتصريحات سياسيين لم تكن تصف لبنان بأنه "وطن" بل "بلد" أو "ساحة". وفي عقائد أحزاب سياسية هو أحيانا جزء من "أمة عربية" أو هو "أمة لبنانية" أو جزء من عالم أممي عمالي تسوده حرب الطبقات حيث العامل رفيق العامل بغض النظر عن البلد الذي ينتمي اليه. لنصل أخيراً إلى نظرة سعادة إلى لبنان من خلال ما كتب وصرح وخطب وكيف انه لم يوافق لا على "لبنان الصغير" كما شاءه البعض في البداية ولا على "لبنان الكبير" كما انتهى اليه وشاءته تسوية دولية بين رجال دين أو مفكرين مسيحيين أو مسلمين، ولا على "لبنان متصرفية جبل لبنان" كما جرى اختصاره في العام ١٨٦٠ بتسوية عثمانية ـ أوروبية. فإلى المقال:

نظرة سعاده الى لبنان

ليس في فكر سعاده على الاطلاق ضم لبنان الى سوريا كما يشيع عنه خصومه لا سيما الذين لم يقرأوه أو قرأوه ارتجالا أو سطحيا أو لمجرد انتقاده، حتى ان أحد أهم رؤساء الحزب السوري القومي الاجتماعي عصام المحايري قال يوما في جواب على سؤال: "لو هجم جيش من سوريا إلى لبنان لضمه اليها فسوف يطعنه القوميون في سوريا في الظهر ويطعنه القوميون في لبنان في الصدر"!

وكان ذلك تأكيدا لقول سعاده في "المسألة اللبنانية" ردا على اتهام خصومه له بفكرة "الضم" ان هؤلاء يروجون مخاوف لا أساس لها "الى حد صاروا معه ينظرون الى سورية نظرهم الى غولة تريد ابتلاعهم أو افتراسهم"! بينما في كلمات لسعاده: "إذا كان في لبنان نور فلماذا لا يشع هذا النور في سوريا كلها". وهو القائل أيضا "نريد لبنان نطاق ضمان للفكر الحر" أي منطلق من لبنان الفكر والريادة إلى محيطه كي يساهم في تطوير هذا المحيط ويقوى به ويتحصن ويصبح أكثر قدرة على مواجهة ما يتهدد الوطن اللبناني من مخاطر خارجية تحيط به كما هو حاصل اليوم بـ"امتياز"!

ولعل أوضح ما قاله سعادة في نقضه لفكرة الضم عكسه تماما وهو في ما يسميه "توسيع حدود لبنان". فاللبنانيون باتحادهم مع محيطهم، يتسع وطنهم ولا تعود حقوقهم منحصرة في لبنان فقط، بل يكون وطنهم كل سورية، من ترعة السويس حتى بر الأناضول ومن البادية الى البحر المتوسط، يؤلفون دولة عظيمة ذات شأن وقوة ينظر اليها العالم بعين الاعتبار".

مضيفا: "ان غورو مندوب وصيتنا يقول للبنانيين ان لبنان يقدر أن يكون دولة ضخمة ذات قوة وعظمة متناهية اذ انه أمنع حصون الشرق، أما أنا فأقول: "انه باتحاد لبنان مع سوريا يصبح دولة أضخم وذات قوة وعظمة غير متناهية ولا يعود أمنع حصون الشرق فقط بل الدولة ذات الأراضي الواسعة والجيوش الكثيرة التي تجعل حدا لمطامع فرنسا الاستعمارية".

ويخاطب سعادة شعب لبنان سائلا: "ما هو الاستقلال الذي نلته؟ أهو استقلال الثلوج على الكنيسة وصنين وفم الميزاب وحرمون؟، وهذا كان دائما وأبدا مستقلا، أم هو استقلال الصخور والتراب والنبات وهي أيضا مستقلة من قبل، أم هو استقلالك انت أيها الشعب! لتكون حرا في تقرير مصيرك واختيار أي وضع تريده؟ "ان استقلالك هو في سيادتك وحريتك، فكل شيء في لبنان هو لك، أنت صاحبه وأنت صاحب الحق في التصرف به.. وأنا أيها الشعب اللبناني منك ولك ولحماية سيادتك من كل ارادة خبيثة تريد أن تحرمك الحرية والحق وان تكبلك بقيود الخنوع والذل. فانت وحدك صاحب هذا الكيان، هو وقف عليك وكل من يقول غير ذلك هو عدوك وعدو كيانك، لأنه عدو سيادتك وحريتك".

وفي بيان بتاريخ ٣٠ أيلول ١٩٤٨ ينتقد سعاده الذين يقولون انهم "عند حدوث المشاكل الاقتصادية بين لبنان ومحيطه سوف نطحن صخور لبنان في كلام يعتبر "فشة خلق" لأنه يصعب أن نرى صخور لبنان الجميلة تتحول إلى طحين، فذلك يتطلب تحويل معدنا (جمع معدة) الى باطون مسلح تهضم تلك الصخور.. فالكيان اللبناني الذي جاهرنا باحترامه وعكس الخائفين عليه، هو حصن يساعدنا على تطوير الأفكار نحو اتجاه الحياة الجديدة ، لا سجنا للبنانين ينزوون فيه بل يجب أن يكون لبنان نقطة انطلاق لهذه النهضة لا مقبرة للبنانيين.. ولدينا تقارير عن تحركات طائفية التي تجعل أبناء لبنان واقفين ليشب كل فريق منهم على الآخر.. ان لبنان هو في ذرى سورية وفيه انبثق مبدأ الحياة للبنانيين ولجميع السوريين. وقد انتبه اللبنانيون الى ما علمهم اياه الفرنسيون ونسوا ما قاله لبنانيون خلصاء مثل أمين الريحاني بأن عذوبة مناظره وعبقرية أبنائه لا تزول".

وفي مقال آخر بعنوان "الانعزالية اللبنانية أفلست" يقول سعاده: "ان الفقر المالي والتقهقر الاقتصادي اللذين يصيبان لبنان، هو بسبب عوامل الانعزال التام فيه نحو القطيعة النهائية.. والأخطار العظيمة التي أصبحت محيطة بلبنان، خصوصا بعد كارثة فلسطين، وبسبب الأحقاد التي توغر الصدور بها سياسة الانعزال التام، تنذر باشأم الكوارث وأسوأ أنواع الاستعباد"..

وفي مقال له بعنوان "وحاربنا لانقاذ اللبنانيين" يقول: "ان التلبنن الوهمي الفاسد والتغرير باللبنانيين العاملين في حقولهم ليتبعوا التلبنن الأجنبي، هما عامل خطر على مصير اللبنانيين. وان الانعزال وتمكين المصالح الأجنبية من التحكم في موارد حياة اللبنانيين، هو أدهى شر يصيب اللبنانيين فيطردهم من ديارهم ويشردهم بين مختلف القارات، ولا يفيد اللبنانيين تأويل الهجرة بأنها "فتح للأمصار وتمدين العالم"!. ان الأم اللبنانية التي فقدت ابنها وراء البحار لا يعوضها شيئا هذا التلبنن، وان الأب الذي يكدح عاملا في الأرض وتهرب منه المواسم وترهقه الضرائب، لا يجد جزاء كبيرا في التلبنن الوهمي. وقد بلغت الحماقة ببعض الصحف المتلببنة أن تنسب "الخيانة العظمى" الى اللبنانيين المستقلين عن عبودية الارستقراطية وعن الارادات الأجنبية الذين يعبرون عن ارادة اللبنانيين القومية.. انهم كتاب يحملون عار الكتابة بلغة الدولة التي احتلت جبال لبنان، ودنست أديم لبنان بسنابك خيلها واقدام سنغالييها.

ويتابع سعادة تحت عنوان في مقال "الموارنة سريان سوريون": وحول ما يسمى بلبنان الفينيقي الذي كان أكبر من لبنان الحالي ما يعطي الدليل على توسع حدود لبنان بدلا من عزله وتقزيمه.. اذا عدنا الى الأساس الفينيقي، وجدنا ان الفينيقيين امتدوا من فلسطين على طول الساحل السوري وأعظم الآثار الفينيقية التي اكتشفت مؤخرا ما بين ١٩٢٩ و١٩٣٢ كان في رأس شمرا قرب اللاذقية، وليس على الساحل أمام فم الميزاب أو صنين والكنيسة.. والبطريرك الماروني ليس بطريركا لكرسي لبناني أو لكرسي سوري عام، فهو بطريرك انطاكية وسائر المشرق.. وقد خص الانجيل المقدس فينيقيا بالاسم (متى ٢٣/٤ ومرقص ٢٦/٧) وجبران خليل جبران الماروني، لم يسعه عندما رأى انشاء "لبنان السياسي" الا أن يقول في مقالة انشأها خصيصا لهذا الموضوع "لكم لبنانكم ولي لبناني". والمطران المغفور له يوسف الدبس في كتابه "تاريخ سورية" اعتبر سورية كلها وطنه، وسليمان البستاني الماروني، الأديب الكبير قال وقد أشرف على الوفاة: "وأرض سورية محط الأمل، الى حماها يسير الرفات، وأهلها تلقى قبيل الممات بمرتع الرغد وعيش خضيل.. فيا أيها اللبنانيون لا تخونوا أرواح آبائكم وأجدادكم ولا تعطلوا خلودكم ان كنتم تعلمون .. وليس الموضوع نقض الكيان اللبناني، فهذا الكيان مسلم به ولنفرق بين الكيان وسلامته من جهة، والحقائق الاجتماعية من جهة أخرى".

وفي مقال بعنوان "مشكلة الحرية تحل بالحرية" يقول سعاده "في خطاب يوم عودتي الى لبنان (العام ١٩٤٧) أعلنت اننا لم نكن ولسنا أعداء للكيان اللبناني.. بل نعتبر ان هذا الكيان يجب أن يكون نطاق ضمان للفكر ولإنطلاق الفكر في سورية الطبيعية كلها.. وهذه العبارة اشتملت على فكرة توطيد لبنان في نشر فكرة ثقافية مدنية واحدة في المنطقة الجغرافية الواحدة التي عرفت في التاريخ بإسم سورية والتي تبقى منطقة جغرافية واحدة، مهما نشأ فيها من دول، ولا يغير شيئا من حقيقتها استبدال تسمية استعمارية جديدة كـ"اللوان" مثلا Levant (المشرق) بأسمها الذي عرفه التاريخ.. والكيان اللبناني قائم فيها وقد أعلنا احترامنا لهذا الكيان باعتباره تعبيرا صادقا عن ارادة الشعب ولم يصدر عنا أي عمل أو تدبير يرمي الى ازالته، بل بالعكس كونه "نطاق ضمان للفكر ولإنطلاق الفكر فنحن مستعدون لحماية هذا النطاق، ولتصطرع فيه العقائد بحرية بين اعتباره عربيا أو سوريا أو امة وقومية جديدة فيه، فهذه الأمور تتعلق بصراع العقائد ولا علاقة لها بأي عمل سياسي يتعلق بالكيان اللبناني كدولة. ان مشكلة العقائد في لبنان هي مشكلة الحرية ومشكلة الحرية لا تحل الا بالحرية ولبنان يحيا بالحرية ويندثر بالعبودية ونحن أكثر حرصا على لبنان بعيدا عن المجازفات الاعتباطية وحركتنا هي حركة الحرية، حركة الواجب والنظام والقوة وبانتصارها يجد لبنان كل العز وكل الخير.. وسياسيو الطائفية والانعزالية يتمسكون بـ"سلاح عظيم" يحاربون به هذه الحركة، وليس هذا السلاح في نظرهم الا "غول الوحدة القومية": غول! لا تنسوا المذابح الطائفية! انظروا التعصب الديني! لا يمكننا ان نعيش مع المتوحشين خارج لبنان"!

مضيفا: "هذا هو السلاح السياسي السحري في "الأوساط اللبنانية الصرف" هو كلمة السر وعلامة المرور في "القومية الطائفية" في لبنان التي تكونت في ربع قرن (منذ الاحتلال الفرنسي حتى كتابة المقال في العام ١٩٤٧ تحت عنوان "دور الغول انتهى") نحن في لبنان حركة صيانة وخير للبنان واللبنانيين لا "غولا" الا عند الجهال والمشعوذين. "ان الغول يحتضر الآن! وقد انتهى دور الغول وانتهى بانتهائه دور الوهم والخوف وابتدأ عهد الثقة بحركتنا التي تقضي على المخاوف وتحقق حياة عز وحق الشعب".

وكان من بين أهم المخاطر التي ركز عليها سعادة لحماية لبنان الخطر الاسرائيلي، محذرا في سنتين بعد قيام الكيان الصهيوني من ان لبنان "هو" الأقرب الى مطامع اليهود الذين يسعون الى التوسع باستمرار واقامة دولة قوية وبعد ذلك يتوجهون الى الاستعمار. انه نزاع الحياة والموت بين لبنان والأمة كلها واليهود الذين لاحظ ساستهم نجاح سياسة الاحتلال الأجنبي في ايجاد شقة واسعة بين دول الأمة أخذوا يسلكون طرق تلك السياسة في دعاوتهم في محطتهم الاذاعية في تل أبيب وبواسطة دعاتهم المنبثين ونشراتهم مضيفا: "ان الرجعية الانعزالية لا تتمكن من فهم القضايا القومية ولا القضايا الاجتماعية الكبرى مثل سعي اسرائيل وضم لبنان الى أملاكها"!.

وأخيرا من خلال كل ما كتبه سعاده عن لبنان الذي وصلت به الأمور الى نظام سياسي وصفه بأنه يعمل على نهج "اضرب أولا ثم ابحث عن المبررات. ان (الثورة التي أعلنها سعادة في ٤ تموز ١٩٤٩) ضد حكومة لم تجد أي مبررات لـ"حملة جارفة بكل هياجها وتعديها في مداهمة البيوت وتفتيشها في جميع جهات لبنان، واخراج أبناء الشعب الغاضبين على الاضطهاد والارهاب والطغيان المسلح، وسوقهم الى السجون بلا ذنب وفي مخالفة بربرية للمباديء الديموقراطية وخرق لحقوق أعضاء الدولة المدنية والسياسية وظلم لا يطاق".

وقد جاء في بيان اعلان الثورة انها "ضد حكومة طاغية، خارجة عن ارادة الشعب، معرضة خير لبنان للمحق وسلامته للخطر وبعد تزوير فاضح للانتخابات التي جرت سنة ١٩٤٧ في جو من مطاردة السياسيين وارهاب المعاكسين أوصلت الى الحكم مجلسا ليس شرعيا، ولا يمكن أن يمثل إرادة الشعب".

وقد حدد البيان أهدافها بأنها: "لأجل تحقيق المقاصد التالية": توطيد الاستقلال اللبناني على أساس ارادة الشعب الحرة، اسقاط الحكومة وحل المجلس النيابي، وتأليف حكومة تعيد الى الشعب حقوقه وحريته وارادته المسلوبة، ووضع دستور جديد يضمن المساواة في الحقوق المدنية والسياسية لأبناء الشعب، ويجعل التمثيل السياسي على أساس المصلحة القومية، بدلا من أساس المصالح الطائفية والعشائرية الخصوصية، وفصل الدين عن الدولة، ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين، وازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب في الاجتماع والثقافة، تطهير ادارة الدولة من الرشوة والفساد والتحكم، والقضاء على الاحتكار والطغيان الرأسماليين، وتخطيط سياسة اقتصادية صناعية - زراعية تلغي الاقطاع وتنظم الاقتصاد القومي على أساس الانتاج وتنصف العمل وتصون مصلحة الأمة والدولة.. وانشاء جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن".

وفي ختام بيان الثورة التي هي الثورة المسلحة الشعبية الأولى في تاريخ لبنان على مستوى كل لبنان خلافا للانتفاضات والعاميات الشعبية المناطقية أو المحدودة أو التحركات الحالية التي توزعت على اتجاهات سياسية مختلفة، جاءت العبارة التالية: "ان الحكومة اللبنانية الخائنة حرية الشعب اللبناني، العابثة بحقوق أبنائه، قد فرضت بشعبه ورعونتها، الثورة للدفاع عن الحرية المقدسة، وعن حياة أبناء الشعب وارادته، وقد قبلت حركة الشعب الكبرى التحدي وأعلنت الثورة. فالى الثورة على الطغيان والخيانة أيها الشعب النبيل". مقر قيادة الثورة العليا - ٤ تموز ١٩٤٩.

 

 

من أقوال سعادة

- لبنان هو في ذرى سورية ويجب أن يكون نطاق ضمان للفكر الحر معقلا للنبوغ يطور محيطه حوله في اتجاه موافق مع تطوره ومتجانس مع أهدافه

- لست حربا على كيان لبنان بل قوة فيه وله آمن به جبران خليل جبران وأمين الريحاني والمطران يوسف الدبس والشعراء سليمان البستاني والياس فرحات وسعيد عقل في بدايته، في اطار أمة سورية كبرى جامعة تحمي لبنان وتحصنه ضد المخاطر الداخلية والخارجية

- ان لبنان هو البلد الأقرب الى مطامع اليهود وهم يغذون الافتتان الطائفي ليتمكنوا منه

-في اعلان أهداف ثورة ٤ تموز ١٩٤٩ قال سعادة: توطيد استقلال لبنان على أساس ارادة الشعب اللبناني الحرة، وتطهير ادارة الدولة من الرشوة والفساد والتحكم، والقضاء على الاحتكار والطغيان الرأسماليين، وتخطيط سياسة اقتصادية قومية، وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الانتاج، وقيام نهضة صناعية ـ زراعية وانشاء جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن .

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)