'بين ليوبارد وآبرامز' !!..

'بين ليوبارد  وآبرامز' !!..

رفعت ابراهيم البدوي* 

جاءت استقالة وزيرة الدفاع الألمانية كريستين لامبرخت في وقت سابق من الأسبوع الماضي، وتعيين بوريس بستوريوس خلفاً لها، احتجاجاً على تمنع المستشار الألماني أولاف شولتز، الإسراع في اتخاذ قرار تزويد أوكرانيا بدبابات «ليوبارد 2».

مما لا شك فيه، أن الضغوط الأميركية البريطانية تتزايد على ألمانيا لحملها على دعم أوكرانيا بدبابات قتالية من طراز «ليوبارد 2» الألمانية الصنع، خاصة مع إعلان بولندا وبريطانيا عزمهما توريد دبابات قتالية ثقيلة لأوكرانيا، الأمر الذي حاز على اهتمام العديد من المراقبين والصحف الأميركية والأوروبية، ولاسيما بعد تردد برلين باتخاذ قرار إرسال الدبابات الألمانية  إلى أوكرانيا.

نشير الى ان اجتماع الحلفاء الغربيون الداعمون لأوكرانيا في قاعدة «رامشتاين» الأميركية في ألمانيا، من دون التوصل  إلى اتفاق بشأن إرسال دبابات  ليوبارد الالمانية لأوكرانيا، وقال وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس، إن حكومته لم تتخذ بعد قراراً بهذا الشأن، وأنها تفضل أن يكون القرار الألماني من ضمن سلة متكاملة لدول حلف الناتو.

المستشار الألماني أولاف شولتس قدم الحجة الحاسمة بنفسه، فهو يفضل الاصطفاف خلف الأميركيين، كما فعل بالنسبة لكل مساعدات الأسلحة، لكن صحيفة «هاندلسبلات» القريبة من مركز القرار الألماني كان لها كلام آخر فقد علقت على موقف شولتس قائلة: «سيعرف هو بنفسه أنه لن يستمر على هذا الموقف طويلاً، ربما يستطيع أن يعرقل تسليم دبابات قتالية لأوكرانيا، لكنه لن يستطيع منع ذلك وإن الحكومة الاتحادية أيضاً تتوقع كسر تابو «ليوبارد»، إن لم يكن الآن، فقريباً.

تضيف الصحيفة، صحيح أن «أميركا لم تقدم حتى الآن دبابات «آبرامز» الأميركية الصنع لأوكرانيا، متذرعة بأسباب لوجستية، مفادها أن «آبرامز» تستهلك كمية كبيرة من الوقود، كما أن قطع غيارها غير متوافرة في أوروبا في حين دبابة «ليوبارد» الألمانية مصنعة للحرب في أوروبا، وبذلك فإن الكرة عادت  إلى ملعب شولتس، والمفارقة أن المستشار الألماني بنفسه هو من قدم الحجة الحاسمة لفعل ما يحجم عن القيام به»!

صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، عبرت بوضوح عن موقف واشنطن بشأن تسليم أوكرانيا دبابات «ليوبارد» الألمانية والإحجام عن تسليمها دبابات «آبرامز» الأميركية، قائلة وبحسب خبراء عسكريين أن «أوكرانيا تحتاج  إلى 100 دبابة على الأقل كي تتمكن من إحداث تأثير في ساحة المعركة، فالأولوية يجب أن تكون لتجهيز عدد كبير وبسرعة من الدبابات «ليوبارد»، فقوات البحرية الأميركية استبعدت حتى الآن إشراك كتائب الدبابات «أبرامز» في إطار احداث تغيير استراتيجي، معللة ذلك بأن دباباتها هذه لا يمكن استخدامها بشكل مفيد في أوكرانيا».

وتضيف الصحيفة بشأن تحفظ واشنطن وعدم تقديمها دبابات قتالية وصواريخ بعيدة المدى نسبياً لأوكرانيا، بأن البيت الأبيض يخشى من التصعيد الروسي لكن ليس هناك من سبب معقول أو استراتيجي يمنع تقديم السلاح لأوكرانيا، من أجل إتاحة الفرصة أمام تحقيق النصر.

أما صحيفة «الغارديان» التي تترجم الموقف البريطاني الرسمي، رأت أن «الطريق الواقعي الوحيد لتحقيق سلام دائم هو زيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، وبقدر يمكنها من استرداد معظم أراضيها أولاً ومن ثم تتفاوض على السلام من موقع قوة»، وتشير الصحيفة  إلى أن دعم أوكرانيا أصبح «اختباراً لشجاعة ألمانيا ضد ابتزاز (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين النووي، في الدفاع عن أوكرانيا حرة ذات سيادة»، وتضيف الصحيفة، أن خطاب شولتس أمام منتدى دافوس «لم يلمح  إلى مثل هذه الجرأة، لكنه بالتحرك، سيتعلم الدرس الصحيح من تاريخي ألمانيا الحديث والمعاصر».

في موقف مغاير لتصريحاته السابقة، أعلن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في مؤتمر دافوس، موقفاً لافتاً يتطابق والموقف البريطاني، حيث قال: إن محادثات السلام «يجب أن تبدأ بمجرد استعادة القوات الأوكرانية للأراضي التي احتلَّتها موسكو منذ الغزو في شباط الماضي»، معتبراً أن هذا «سيمنع الحرب من أن تصبح حرباً ضد روسيا نفسها، وسيمنح روسيا فرصة لإعادة الانضمام  إلى النظام الدولي».

أما صحيفة «لوموند» الفرنسية، رأت في افتتاحيتها أنه وبعد تقديم فرنسا المساعدات العسكرية من صنف أنظمة الدفاع الجوي، وتزويد أوكرانيا بمدرعات لنقل المشاة من طراز «ام اكس-10"AMX-10 RC، حذت واشنطن وبرلين حذوها بخطوات مماثلة، ولكن الآن تكمن «العقدة» الأساسية في تزويد أوكرانيا بدبابات قتالية غربية، من شأنها تمكين الجيش الأوكراني من تنفيذ هجمات فعالة في المعارك على أرض الواقع، فيما تقدر قيادة الجيش الأوكراني حاجتها  إلى نحو 300 دبابة من هذا الصنف.

وحسب إفادة بعض كبار الخبراء العسكريين في الناتو، فإن جيوش 13 دولة في حلف شمال الأطلسي تستخدم 2000 دبابة من طراز «ليوبارد 2»، أي أنه من الناحية العملية فإن هذه الدبابة، هي الأكثر اعتماداً في أوروبا لأنها الأكثر حداثة، والتي يمكن أن تشكل نداً للدبابة الروسية «ت90»، علماً أن الأخيرة أقل وزناً بعشرين طناً من «ليوبارد» التي تزن 69 طناً، وهذا ما يجعل من «ليوبارد» الأنسب عملياً قبل هجوم الربيع، الأمر الذي يزيد من الضغوط الأميركية والأوروبية على ألمانيا، في وقت كان يتم تصوير المستشار أولاف شولتس، بأنه العقبة الأخيرة التي تعترض شن الهجوم الأوكراني في موعده، وها هو وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن يتحدث عن لحظة حاسمة» في أوكرانيا يتعين انتهازها الآن.

شبكة «سي إن إن» الأميركية وفي تقرير مفصل، أوغلت عميقاً في سبر أغوار التردد الألماني، ومنها الأخذ في الاعتبار بوجهة النظر التاريخية، أي أن شولتس أو أي زعيم ألماني، يجد صعوبة في اتخاذ قرار بوضع سلاح ألماني في مواجهة الروس، بعد 80 سنة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعلى هذا الهاجس يرد مسؤول أوروبي للموقع نفسه، رفض أن يذكر اسمه، بأن الألمان يجب أن يأخذوا في الاعتبار أيضاً، أن دباباتهم قبل 80 عاماً قتلت أوكرانيين، وأنه يتعين عليهم اليوم إرسال دباباتهم للدفاع عنهم.

بين «ليوبارد» و«أبرامز» يكمن الضغط الأميركي المتزايد على ألمانيا، فالمستشار شولتس أصبح تحت الضغط، ولم يعد بإمكانه منع تسليم دبابات «ليوبارد 2» لأوكرانيا، وعليه، فإن مواجهة روسية أطلسية باتت شبه مؤكدة.

*رئيس ندوة العمل الوطني 

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)