أزمة المياه المنزلية: دِق الميّ... ميّ !!

أزمة المياه المنزلية: دِق الميّ... ميّ !!


يُحكى كثيراً عن التكلفة المرتفعة التي يتكبّدها المواطن اللبناني لتأمين التيار الكهربائي إلى منزله أو مقرّ عمله وسواهما، ولكن نادراً ما يتم الحديث عن تكلفة تأمين المياه، مياه الشرب والاستخدام اليومي إلى المنازل. ولكن من يقم ببعض الحسابات الدقيقة يتبيّن له أن كلفة المياه تكاد تسير على خطى التيار الكهربائي وباتت عبئاً حقيقياً على أكتاف المواطنين لا سيّما مع انقطاعها الدائم عن معظم المناطق بسبب غياب التيار الكهربائي الذي تحتاجه مؤسسات المياه لضخّها في الشبكة.
في تشرين الثاني من العام 2002،اعتمدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافيـة التابعة للأمم المتحدة تعليقها العام الرقم 15 بشأن الحق في المياه، وعرّفته بأنه حق كل فرد في «الحصول على كمية من الماء تكون كافية ومأمونة ومقبولة ويمكن الحصول عليها مادياً وميسورة مالياً لاستخدامها في الأغراض الشخصية والمنزلية». كما ورد في تقرير الحق في المياه الذي أعدته الأمم المتحدة - مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية وONU-HABITAT.

وينص الحق في المياه على أن تكون إمدادات المياه لكل شخص كافية ومستمرة لتغطيـة الاسـتخدامات الشخصية والمنزلية أي الشرب، وغسل الملابس، وإعداد الطعام، والنظافة الصحية الشخصية والمنزلية، ويجب أن تكون تكلفة خدمات المياه في متناول الجميع. فلا ينبغي أن يحرم أي فـرد أو جماعة من الحصول على مياه الشرب المأمونة بسبب العجز عن دفع تكلفتها. فأين نحن في لبنان من هذه الحقوق التي ضمنتها الأمم المتحدة بعد أن باتت كلفة الحصول على المياه فوق طاقة عدد كبير من اللبنانيين؟

كلفة المياه تحلّق في فضاء الغلاء

اليوم ومع تعذر وصول المياه الى بيوت معظم اللبنانيين بسبب عدم القدرة على ضخها بشكل مستمر نظراً للانقطاع الدائم في التيار الكهربائي ومع اضطرارهم لشرائها عبر الصهاريج واضطرارهم في الوقت عينه لشراء مياه الشرب نظراً لعدم جودة المياه التي تصل الى منازلهم، فإن نصيب الفرد من المياه لا شك في تراجع مستمر مع الارتفاع الجنوني لكلفة الحصول على المياه. وبهذا يكون اللبناني قد فقد حقاً اساسياً آخر من حقوقه وهو الحصول على المياه بكلفة يستطيع تحملها. فكم تبلغ كلفة الحصول على مياه الشرب والاستخدام المنزلي في لبنان؟

حاولنا مع الاختصاصيين والمواطنين العاديين أن نقدّر كم باتت كلفة المياه شهرياً في لبنان مع الغياب شبه التام لـ»مياه الدولة». وقد تبين لنا أن عائلة من أربعة اشخاص تستهلك شهرياً ما بين 4 و6 غالونات من مياه الشرب سعة 19 ليتراً، ومع وصول سعر الغالون الى مئة ألف ليرة بتسعيرة مرشحة للارتفاع كل يوم تكون كلفة مياه الشرب المعبأة أقله 500000 ليرة شهرياً.

الى هذه المياه تضاف الغالونات المستخدمة لغسل الخضار وطهو الأطعمة وحتى للنظافة الشخصية في بعض الأحوال والحاجة إليها تتراوح ما بين 8 و10 غالونات كأقل تقدير بسعر يتراوح بين 350000 و400000 حسب نوعية المياه.

ومياه الشرب ليست وحدها مصدر الكلفة، فمعظم اللبنانيين ولا سيما في بيروت والمناطق الساحلية وعدد كبير من المناطق الجبلية يشترون المياه بشكل شبه دائم للاستخدام المنزلي. و إذا اعتبرنا أن كل خزان يتسع أقله لألفي ليتر من المياه وسعر المتر المكعب الواحد يتراوح بين 200 و250 ألفاً وهو مرشح دوماً للارتفاع فإن كلفة هذه المياه شهرياً تتراوح بين المليون ونصف ومليونين بأقل تقدير. يضاف إليها كلفة الكهرباء المستخدمة للمضخات الصغيرة لضخّ مياه الخزانات الأرضية نحو السطوح.

كارثة التعرفة الجديدة

والى هذه الكوارث الحسابية أضيفت مؤخراً كارثة جديدة هي رفع التعرفة الرسمية لمتر المياه المكعب أو «عيار المي» كما هو معروف شعبياً. فقد ارتفعت التعرفة من 340000 الى أربعة ملايين ومئة وخمسين ألف ليرة سنوياً وهو ما يعادل 345000 شهرياً للمتر الواحد وضعف المبلغ إذا كان العيار مترين.

وحين نقوم بجمع كل ما سبق تصبح كلفة المياه للعائلة شهرياً حوالى ثلاثة ملايين ليرة أو أقل بقليل إذا لم تكن العائلة مضطرة لشراء مياه الاستخدام المنزلي بشكل دائم أو أكثرمن ذلك في المناطق التي تشهد انقطاعاً مستمراً للمياه وما أكثرها في هذه الآونة. ومع الارتفاع المستمر في سعر الدولار ومعه الكهرباء والمحروقات والنقل فإن كل هذه الأرقام مرشحة للارتفاع (وقد اعتمدنا فيها على الأسعار التي سبقت الفورة الجنونية الحالية للدولار).

وما يفاقم وضع المياه موسم الجفاف الذي يشهده لبنان وتحول الكثير من الآبار الجوفية في منطقة بيروت الى آبار ذات مياه مالحة لا تصلح للاستخدام. ولا يبشر استمرار احتباس الأمطار بوفرة المياه لا صيفاً ولا شتاء.

وبالعودة الى البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الذي نصح بوجوب أن تشكل تكلفة المياه 3% من دخل الأسرة، فإن دخل الأسر اللبنانية في هذه الحال يجب أن يتخطى مئة مليون ليرة شهرياً...

صحيح أن الحق في المياه وفق ما ورد في تقرير حقوق الإنسان للأمم المتحدة لا يعني الحصول على المياه دون مقابل بل يقتضي أن تكون خدمات المياه في متناول الجميع وألّا يُحرم أحد مـن الحصول عليها بسبب عدم قدرته على الدفع. ويتعين في بعض الظروف توفير إمكانيـات الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي من دون مقابل إذا عجز الـشخص أو الأسرة عن دفع تكلفتها وتطبيـق سياسات مناسبة للتسعير مثل توفير الماء مجاناً أو بتكاليف منخفضة... الأمر الذي تتجاهله كلياً الدولة اللبنانية وتصم آذانها عنه.


دوامة جهنمية

وكأن هذه الأرقام الصادمة لا تكفي وحدها إذ يقول د. جلال حلواني وهو مدير مختبر علوم البيئة والمياه في الجامعة اللبنانية ومحكّم دولي في البيئة والمياه لدى المؤسسات الدولية إن ارتفاع كلفة المياه على العائلة اللبنانية يدفع بها للبحث عن مصادر مياه أقل جودة وأخف كلفة سواء بالنسبة للمياه المعبأة أو صهاريج المياه وهذا يشكل تهديداً لصحة أفرادها. وهنا لا بد من الإشارة الى أن تقرير الأمم المتحدة يفيد بأنه في أي وقت من أوقات السنة، يكون نصف عدد الأسرّة في مستشفيات العالم مشغولاً بمرضى يعانون من الأمراض المنقولة بالماء، وفي لبنان لمسنا الأمر بشكل واضح مع تفشي موجة الكوليرا. وهكذا صار المواطن اللبناني عالقاً في دوامة جهنمية ما بين شح المياه الناجم عن انقطاع التيار الكهربائي في جزء كبير منه وبين عدم قدرته على الحصول على مياه موثوقة المصدر لعجزه عن تحمل كلفتها المرتفعة وبين عجزه عن الحصول على الاستشفاء المطلوب في حال تعرضه للأمراض الناجمة عن استهلاك مياه غير صالحة. فبين الكهرباء والماء والدواء تدور الدوامة على المواطن.

تعتبر منظمة الصحة العالمية أن الحد الأدنى المسموح به من المياه للفرد الواحد هو 75 ليتراً يومياً لضمان الوفـاء باحتياجاته الأساسية ولتجنب نشوء الكثير من المخاوف الصحية، وتحت هذا الحد يكون هناك مشكلة حقيقية في الصحة العامة. أما في أوروبا فقد فرضت الحكومات الحصول على 150 ليتراً للفرد الواحد. فبين الحد الأدنى والحد المثالي أين يقف لبنان؟

بين ما يشتريه الفرد في لبنان شهرياً من مياه للشرب متعددة المصادر ومياه «للقضي» فإن نسبة ما يناله حالياً من المياه يبلغ في المتوسط حوالى 85 ليتراً وقد يرتفع المعدل قليلاً في المناطق التي لا تشهد شحاً او انقطاعاً للمياه وينخفض بشكل أكبر في المناطق الفقيرة التي يعجز أهلها عن الحصول على مياه للشرب عن طريق شراء المياه المعبأة. وكانت الاستراتيجية الوطنية المحدثة لقطاع المياه في لبنان لعام 2020 قد حددت استهلاك الفرد بـ 125 ليتراً يومياً بعد أن كانت قد حددته بـ 180 ليتراً للفرد عام 2010 وفق ما نشره موقع Fanack Water المتخصص بدراسة المياه في أفريقيا والشرق الأوسط... وبهذا بات واضحاً أن لبنان اليوم يرزح تحت واقع مائي خطر نتيجة الأزمة الاقتصادية الكبرى التي يمر بها. فعائلة من اربعة اشخاص في لبنان تحتاج في المبدأ الى 600 ليتر يومياً وفق ما يشير د. حلواني ولكن مع عدم قدرة العائلة على تأمين هذه الكمية وارتفاع فاتورتها فإن ذلك يعني لجوءها الى التقنين الشديد في استهلاك المياه الأمر الذي يدخلنا في مرحلة الخطر الصحي أو حتى الكارثة الصحية وفق ما يقول د. حلواني.

إذ يشكل انخفاض النسبة اليومية لاستهلاك الفرد للمياه، سواء بالنسبة لمياه الشرب أو الاستخدام المنزلي، سبباً في زيادة نسبة الأمراض وتدهور الصحة العامة كون المياه غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية للنظافة الشخصية ونظافة المأكولات والمشروبات. وهذا يعيدنا الى المربع الأول اي زيادة الحاجة الى الأدوية والاستشفاء في وقت لم تعد هذه في متناول الفئات الأشد فقراً.


سياحة ناشفة

لا تتوقف الانعكاسات السلبية على ارتفاع كلفة المياه على المنازل فحسب بل تتخطاها لتصل الى القطاع السياحي والترفيهي. فوفق الاستراتيجية الوطنية المحدثة لقطاع المياه للعام 2020 فإن القطاع السياحي يحتاج الى 350 مليون متر مكعب سنوياً وهي كمية هائلة من المياه يتطلب تأمينها كلفة باهظة. حتى ولو انخفضت بشكل كبير مع تراجع نشاط القطاع السياحي خارج المواسم السياحية. هذه الكلفة التي تتحملها المطاعم والمنتجعات السياحية والمجمعات البحرية والفنادق تؤدي الى ارتفاع سعر الخدمات فيها من جهة أو الى تراجع نوعية هذه الخدمات في حال لم تكن قادرة على رفع اسعارها. وما حالات التسمم التي يشهدها لبنان صيفاً بشكل خاص سوى مشهد مؤلم من الانعكاسات السلبية لارتفاع كلفة المياه ولجوء بعض المؤسسات السياحية الى مصادر مياه ذات نوعية مشكوك فيها. وهذا ما ينعكس سلباً على القطاع السياحي ككل في لبنان ويصمه بوصمة يخشاها السائح كما في بلدان العالم الفقيرة والمتخلفة... وبدل أن تبرّد مياه لبنان من حرارة جحيمه فإن غليان اسعارها يحرقه أكثر فأكثر...

 

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)