الجائحة الطائفيّة…أداة فتك وفناء!

الجائحة الطائفيّة…أداة فتك وفناء!

 د. كلود عطيّة _

هو تاريخ الجمهورية المنفصلة عن ذاتها والمريضة منذ أكثر من مئة عام، لا تريد الموت إلا انتحاراً من فوق القانون 

والدستور والنظام والقضاء.. ورغم الانتحار الموثق بقتل الشعب بعد تجويعه، سيُسجّل لها القضاء والقدر، والأزمات 

المتتالية، والحكومات المتعاقبة، والحروب والفوضى والتدمير والقتل الممنهج والتبعية العمياء والطائفية الصمّاء

 التي تحكم بسيف رجال الدين والسياسيين اللاجئين على بلد يعشق حكم الطوائف، سيبرّر الانتحار الحقيقي 

للإنسان… في لبنان.

أما الجاهل فليس له مكان، رغم أنه يسيطر بجهله على كلّ الأمكنة، فيقطع الطرقات متى يشاء، ويزرع بذور

 التعصّب والكره والعنصرية في البساتين والجبال وفي حقول النفط والغاز التائهة عن خارطة الكيان… هو 

الجاهل المتزلّم الفقير الذي يشحذ رغيف الخبز ويطلق بآلاف الدولارات الرصاص فيصيب بطيْشه بلداً بأكمله، 

ليحيا الذلّ في نفوس المتورّطين الحقيقيين. هي مجرد سنة واحدة ويخرج القاتل من السجن خروج القادة ويأتي 

الى تلك المدينة المهمّشة المنسية المنفية مخلص الطائفة وبطلها وجوهرة الثورة. ويبقى الأسير المناضل سجيناً… 

من دون أن يرفّ لهم جفن.

من الطفل الذي يحمل شفرة تحت لسانه، إلى المراهق الذي يحمل سكين الدفاع عن النفس وهو يتنفّس رائحة التينر، 

الى الشباب المسجونين وراء قضبان الفقر والعوز، الى شوارع الانهيار الأخلاقي والقيمي المتفلتة من العقاب والمرتهنة 

لقادة الأمن الدولي وسائقيهم، إلى تلك الأسواق الشعبية التي يجتمع فيها القاتل وأهل القتيل.. هناك يتمّ النقاش

 العلمي الوحيد حول وضع البلد السياسي والاقتصادي والأمني وعلاقاته الدولية.. هناك حيث أمراء الطوائف ومن

 يدور في فلكهم، هي الحقيقة المرة حين تراهم في الأحياء الشعبية الفقيرة الممتلئة بصورهم… يجددون لأنفسهم

 بحفنة من الليرات لا تكفي لشراء كتاب.

في بلد التنوّع الطائفي، كلّ الطوائف التي حكمت منذ «سايكس بيكو» المشؤومة وباسمها هي قاتلة وسارقة 

ومتعدية على الكرامات وحق المواطن بالحياة. إن للدول المستعمرة أزلامها ووكلاءها الطائفيين، وهي التي ترعى

 نشر غريزة التعصب الطائفي، والطائفيون تراهم في الأزقة والطرقات والمؤسّسات والشركات والدوائر الحكومية

 والوزارات يمارسون العنف والتطرف والسرقة والفساد ويتقاسمون مغانم فتات السفارات…

المواجهة الحقيقية تبدأ من الذات، وهي هنا فاقدة لذاتها، مشتتة، ومقسّمة، وتابعة لمن يدفع ثمن بقائها وثباتها 

وسلطتها على حساب المبادئ والعقيدة الأخلاقية.. كما باتت الذات تنقسم في موقفها من الحاكم إلى فريقين 

فريق يعارض الحاكم في الباطل والحق معارضة تامة وفريق آخر يخضع له خضوعاً تاماً في كلا الأمرين، فالأوّل

 لا يعترف بإنجازاته والثاني لا ينكر أخطاءه، ولا شكّ في أنّ الأول يعاني من داء حب السلطة، فيما يعاني الثاني

 من الداء الأكثر استفحالاً ألا وهو داء السلبية.

أما الفريق المعارض فيعمل على استغلال أول فرصة للانقضاض على الحكم بأية طريقة حتى ولو كان في ذلك

 تدمير البلد وتشريد شعبه.. والمشهد عند البعض دليل مثبت، فهو لا يجد حرجاً من تطبيق نظرية ميكيافلي الشهيرة. 

فالغاية لديه تبرّر الوسيلة على الرغم من أنّ هذه النظرية تفترض نبل الغاية والذي قد يسوغ حقارة الوسيلة، أما الغاية

 هنا فهي غاية حقيرة كحقارة الوسيلة ألا وهي ضمان المنفعة الخاصة.

هذه الأخلاق المفقودة بحق الذات والبلد، تراها متجذرة في فلسفة الطوائف، وثقافة المذاهب، وفي الممارسات 

الضيقة المعنونة بالانتماءات والولاءات التي لا علاقة للبنان فيها لا من قريب ولا من بعيد، وان كان الوجود في لبنان،

 فهو ليس إلا مكاناً لممارسة الطقوس والشعائر الدينية وتحقيق البطولات الوهميّة لإثبات حقيقة الطائفة وضرورة 

وجودها للخلاص وإحقاق الحق.

والحق هنا، أن لا حق ولا حقيقة دون نصرة الإنسان للبقاء في دولة تحترم الإنسان.. إلا أننا نعيش في اللا دولة؛ 

هي مجرد مزرعة يقدّم فيها الشعب قرابين على مذبح الطوائف والمتربّعين على عروشها.

في لبنان لا قوانين تحمي الشعب، ولا وجود لمجتمع مدني يواجه السلطة من أجل الشعب، فالإعلام مثلاً: «يبيض صورة السارق ويدافع عن السياسي القاتل ويفتك بالشعب بعد أن يصوّر مآسيه وينشر أخباره أمام

 كلّ العالم، فـ «وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، لديها القدرة على جعل المذنب بريئاً وجعل

 الأبرياء مذنبين.. وهذه هي السلطة لأنها تتحكّم في عقول الجماهير» (مالكوم اكس).

هي الجائحة الطائفية الأخطر من أية جائحة أخرى، فهي التي تسبّبت بقتل مئات الآلاف من اللبنانيين، وهي

 التي سرقت أحلام الشباب وهجّرتهم، وأبكت الأمهات ولم تعطهن أبسط حقوقهن، وجعلت الآباء يبحثون

 عن لقمة عيشهم بالدم..

هي الجائحة التي راكمت في شوارعنا النفايات وسرقت من قلوب الأصحاء الحياة.. في حوادث السير 

والقتل والمرض والتلوّث والحفر في الطرقات، في مواقف الذلّ على أبواب المستشفيات والسرقات

 في الصيدليات…

هي الجائحة التي تاجرت بأرواح الناس ولقمة عيشهم… في المصارف والمحاكم والمتاجر والمدارس

 والجامعات… على مداخل المحطات وأبواب الأفران.. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان…!

*عميد التنمية الإدارية في الحزب السوري القومي الاجتماعي

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)