منظومة الفساد والمصارف تحتاج شجاعة ونزاهة غادة عون...

منظومة الفساد والمصارف تحتاج شجاعة ونزاهة غادة عون...

هذه مقالتي الثانية حول موضوع القاضية غادة عون وقضية ميشال المكتف والجريمة المالية وأمول المودعين اللبنانيين. 
سبق وذكرت في المقالة السابقة أن تحويلات شركة المكتف كلها كاش وليس شيكات، وأن أي مواطن لبناني يستطيع تحويل مبالغ من المال كاش عبر شركة المكتف أو عبر وسترن يونيون أو غيرها من وسائل التحويل المالي أونلاين. 
لكن ما لا يستطيع القيام به اللبناني حاليا هو تحويل دولاراته المحجوزة في المصارف لأنه غير قادر على سحبها كدولارات كاش أو تحويلها إلى الخارج مباشرة من المصارف المحلية. 
تلك الأموال المصرفية التي تمثل ودائع اللبنانيين الموجودة والمحتجزة في المصارف ليست من إطار عمل شركات شحن الأموال الكاش التي يملكها المكتف او غيره. 
ما تقوم به القاضية غادة عون حاليا هو محاولة تحقيق قضائي جنائي هدفها كشف ما إذا أقدم عدد من السياسيين على سحب أموالهم من المصارف بطريقة الكاش وتحويلها عن طريق المكتف بعد قانون 17 تشرين الذي حظر التحويلات البنكية والسحوبات البنكية بالعملات الأجنبية، كما هي ستحاول التحقيق في مصادر تلك الأموال المحولة ومقدار نظافة تلك العمليات المالية في حال وجدت. 
لكن هذا لا يكشف أبدا معالم الجريمة المالية الأساسية التي بدأت ترتكب منذ التسعينيات، التي هي سرقة المال العام والسطو على أموال المودعين اللبنانيين تدريجيا، عبر تمويل نفقات الدولة وصفقاتها وسمسرات السياسيين ومحاصصاتهم من مال الشعب اللبناني عن طريق إستدانة مصرف لبنان لذلك المال من المصارف المحلية. 
في الواقع نحن امام بروباغاندا سياسية مالية مافوية إعلامية مشتركة من جميع الأطراف هدف صرف الأنظار كليا عن أسباب الجريمة المالية التي تم فيها سرقة أموال المودعين اللبنانيين، عبر تغيير إتجاه التحقيق المالي ومحاولة طي ملف التهريبات والتحويلات والسرقات المالية التي جرت قبل 17 تشرين 2019، والمعلومات تقول أن السياسيون الفاسدون الكبار هربوا أموالهم قبل تشرين 2019. 
إنها محاولة قذرة ومفضوحة لإيهام الناس أن السطو على عشرات مليارات الدولارات في ودائعهم تم عن طريق الشركات التي حولت أموال بعد 2019 خلافا للقانون الذي صدر وقتها، وليس جريمة السطو الأساسية التي أرتكبت عن طريق مصرف لبنان وبقية المصارف بتحويل أكثر من خمسين مليار من الدولارات على الأقل خلال الخمس سنوات التي سبقت قانون منع تحويل الأموال. 
إن الجريمة الأساسية الذي أدت إلى سرقة أموال المودعين اللبنانيين ونهب المالية العامة هي ليست التحويلات التي جرت عن طريق شركة المكتف بعد بعد تشرين الأول 2019، إنما هي بالتحديد التحويلات المصرفية لأكثر من خمسين مليار دولار التي جرى تحويلها وتهريبها من لبنان منذ العام 2016 أو بالتحديد بعد الفترة التي تلت حادثة إحتجاز سعد الحريري في المملكة العربية السعودية. 
هذه هي التحويلات التي ضربت القطاع المصرفي اللبناني وقصمت ظهر البعير وسرقت اموال المودعين اللبنانيين، إنها تحويلات ما يفوق الخمسين مليار دولار خرجت من لبنان بين 2016 وبين 2019. 
بعض هذه الأموال مصدرها شرعي ونظيف، لكن معظم هذه الأموال مصدرها مال مسروق من الخزينة العامة من قبل سياسيين ورجال أعمال حصلوا عليها من خلال صفقات ومناقصات ومحاصصات وتلزيمات الدولة اللبنانية التي إستفاد منها السياسيون وشركاؤهم  بطريقة غير مشروعة، وهم من جميع أطراف المنظومة السياسية اللبنانية الطائفية الفاسدة، وقد أودعوها حين حصلوا عليها في المصارف اللبنانية، وهي كلها أموال فساد تم تغطيتها عن طريق مصرف لبنان الذي عمل على إستدانة اموال المودعين اللبنانيين من المصارف المحلية لتغطية نفقات الدولة وسمسرات وصفقات هؤلاء السياسيين وشركاءهم. 
هذا هو الموضوع الذي وجب أن تلاحقه القاضية غادة عون. إنه ليس أموال التحويلات عن طريق المكتف وشركته، تلك التي حصلت بعد 2019 حين وصل وضع لبنان المالي إلى الحضيض، بل هي أموال المصارف اللبنانية وأصحاب تلك الرساميل الذين أفرغوا السوق اللبنانية من الدولارات بين 2016 و 2019 إلى أن إنكشف ذلك في تشرين الأول 2019 . 
إن أية محاولة لنبش موضوع سرقة المال العام لا تدقق بالتفصيل في ما تم تهريبه وتحويله إلى الخارج من دولارات عن طريق المصارف المحلية قبل العام بين أعوام 1988 و 2019 ،  وبالتالي عملية التحقيق الجدي والفعال في كمية تلك الأموال ورؤوسها وأصحابها ومصادرها وشرعيتها ونظافتها، إنما هي محاولة تخفي سعي مقصود لطمس الحقائق ولأخفاء معالم الجريمة التي أرتكبتها المنظومة السياسية اللبنانية الطائفية الفاسدة الفاسدة والمتحالفة مع بعضها تحت الطاولة مع الكارتيل الإقتصادي المالي المافيوي، والتي تسعى إلى خلق أي كبش محرقة توظفه وتحرقه وتستفيد من كشف بعض مكامن الفساد في عملياته في سبيل إبعاد الشبهات عنها ولو أدى ذاك إلى سقوط رؤوس صغيرة. 
إن أعضاء المنظومة السياسية اللبنانية الطائفية الفاسدة سبق وحولوا أموالهم وهربوها خارج لبنان بين 1988 و 2019، وهم الآن يفتشون ويسعون لإيجاد طريقة تبعد عنهم شبح إرتكابهم للجربمة المالية بحق اللبنانيين.
على اللبنانيين أن لا ينساقوا وراء المحاولات المشبوهة التي تجري على قدم وساق لتغييب معالم الجريمة ولأخفاء آثار المرتكبين الأساسيين، وعليهم أن يعلموا أن لا شيء يرد لهم حقم ورزقهم ومالهم وتعبهم إلا التفتيش الحقيقي عن المجرمين الأساسيين الكبار بغض النظر عن ألاعيب السياسيين الكذابة وبهلوانياتهم الأعلامية القضائية. 
نحن بحاجة اليوم إلى جرأة غادة عون أو أية قاضية شجاعة أخرى تقتحم أبواب مغارة المصارف وتخلع أبواب مصرف لبنان ولو أضطرت أن تفعل ذلك بحماية قوة عسكرية، لأنه برأيي في ظل القضاء الفاسد المسيس وبوجود المحميات السياسية الطائفية الميليشياوية المافوية، لن يتم كشف الجريمة المالية التي أرتكبت بحق اللبنانيين إلا بالقوة العسكرية، وهذا الإجراء بالقوة لا يمكن أن يقوم به إلا مغاوير الجيش اللبناني مع لواء الحرس الجمهوري، الذين يجب أن يخلعوا بوابات مصرف لبنان وباقي المصارف المشبوهة ويقتحموها كلها برفقة مدعي عام عسكري وقاضي تحقيق مالي جنائي مختص وخبراء ماليين قانونيين، يقومون جميعا باللازم، ويوعزون إلى الجيش إعتقال من يجب إعتقاله مهما كان شأنه وعلت مكانته ومن هم وراءه.

مروان سليم

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)